الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
86
مختصر الامثل
النبي صلى الله عليه وآله بالليل إذا تلا القرآن وصلّى عند الكعبة ، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه عن دعاء الناس إلى الدين ، فحال اللَّه سبحانه بينه وبينهم حتى لا يؤذوه . وروي - في تفسير الكبير - عن ابن عباس ، أنّ أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وآله ويستمعون إلى حديثه ، فقال النضر يوماً : ما أدري ما يقول محمّد غير أنّي أرى شفتيه تتحركان بشيء . وقال أبو سفيان : إنّي لأرى بعض ما يقوله حقّاً . وقال أبو جهل : هو مجنون . وقال أبو لهب : هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى : هو شاعر . فنزلت هذه الآية : « وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ . . . » . التّفسير المغرورون وموانع المعرفة : بعد الآيات السابقة قد يطرح الكثيرون هذا السؤال : رغم وضوح قضية التوحيد بحيث إنّ جميع مخلوقات العالم تشهد بذلك ؛ فلماذا - إذن - لا يقبل المشركون هذه الحقيقة ولا ينصاعون للآيات القرآنية بالرغم من سماعهم لها ؟ الآيات التي نبحثها يمكن أن تكون جواباً على هذا السؤال ، إذ تقول الآية الأولى : « وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا » . وهذا الحجاب والساتر هو نفسه التعصب واللجاجة والغرور والجهل ، حيث تقوم هذه الصفات بصدّ حقائق القرآن عن أفكارهم وعقولهم ولا تسمح لهم بدرك الحقائق الواضحة مثل التوحيد والمعاد وصدق الرسول في دعوته وغير ذلك . أمّا الآية التي بعدها فتقول : « وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا » . أي : إنّنا غطّينا قلوبهم بأستار لكي لا يفهموا معناه ، وجعلنا في آذانهم ثقلًا . لذلك فإنّهم : « وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا » . ثم يضيف اللَّه تبارك وتعالى مرّة أخرى : « نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ » . أي : إنّ اللَّه تعالى يعلم الغرض من استماعهم لكلامك وحضورهم في مجلسك و « إِذْ هُمْ نَجْوَى » يتشاورون ويتناجون « إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا » . إذ إنّهم لا يأتون إليك من أجل سماع كلامك بقلوبهم وأرواحهم ، بل هدفهم هو التخريب ، وتصيّد الأخطاء . الآية الأخيرة خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وبالرغم من أنّ عبارة الآية قصيرة ، إلّاأنّها كانت قاضية بالنسبة لهذه المجموعة حيث قالت : « انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْامْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا » . والآية لا تعني أنّ الطريق غير واضح والحق خاف ، بل على أبصارهم غشاوة ، وقلوبهم مغلقة دون الاستجابة للحق ، وعقولهم معطلة عن الهدى بسبب الجهل والحقد والتعصب والعناد .